أبي الفرج الأصفهاني

300

الأغاني

فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبي إليك [ 1 ] رسولا والموكَّل مرسل بأن تجعلي بيني وبينك موعدا وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني بأسفل وادي الدّوم والثوب يغسل قال : فضربت بثينة جانب خدرها وقالت : إخسأ إخسأ ! فقال أبوها : مهيم [ 2 ] يا بثينة ؟ قالت : كلب يأتينا إذا نؤّم الناس من وراء الرّابية . ثم قالت للجارية : ابغينا من الدّومات حطبا / لنذبح لكثيّر شاة ونشويها له . فقال كثيّر : أنا أعجل من ذلك . وراح إلى جميل فأخبره . فقال له جميل : الموعد الدّومات . وقالت لأم الحسين وليلى ونجيّا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهنّ واطمأنّت بهنّ : إني قد رأيت في نحو نشيد كثيّر أن جميلا معه . وخرج كثيّر وجميل حتى أتيا الدّومات ، وجاءت بثينة ومن معها ، فما برحوا حتى برق الصبح . فكان كثيّر يقول : ما رأيت مجلسا قطَّ أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ! ما أدري أيّهما كان أفهم ! وصف صالح بن حسان بيتا من شعره : أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ ، وأخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال قال لي صالح بن حسّان : هل تعرف بيتا نصفه أعرابيّ [ 3 ] في شملة وآخره مخنّث من أهل العقيق يتقصف تقصّفا ؟ قلت : لا . قال : قد أجّلتك حولا . قلت : لا أدري ما هو ! فقال قول جميل : ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا كأنه أعرابيّ في شملة . ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال : أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ كأنه من كلام مخنّثي العقيق . أهدر السلطان لأهل بثينة دمه إن لقيها وما كان منه بعد ذلك : أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد اللَّه بن أبي كريم عن أبي عمرو وإسحاق بن مروان قال [ 4 ] : عشق جميل بثينة وهو غلام ، فلما بلغ خطبها فمنع منها ، فكان يقول فيها الأشعار ، حتى اشتهر وطرد ، فكان يأتيها سرّا ثم تزوّجت فكان يزورها في بيت زوجها [ في الحين ] خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعيّ على وادي القرى فشكوه إليه فتقدّم إليه ألَّا يلمّ بأبياتها وأهدر دمه لهم إن عادو زيارتها ، فاحتبس حينئذ .

--> [ 1 ] رواية « الأمالي » لأبي علي القالي ( ج 3 ص 231 طبع دار الكتب المصرية ) : على نأي دار والرسول موكل [ 2 ] مهيم : كلمة يمانية ومعناها : ما أمرك ، وما شأنك ، وما الذي أرى بك ؟ ونحو هذا من الكلام . [ 3 ] كذا وردت هذه العبارة في « الأغاني » فيما يأتي في هذه الترجمة ( ص 118 ) . ووردت في ب ، س هنا : « هل تعرف نصف بيت أعرابي في شملة ونصف مخنث . . . إلخ » وفي سائر الأصول : « . . . بيت أعرابي في شملة ونصفه مخنث . . . إلخ » . [ 4 ] لعله « قالا » .